(443) 455-2983

Welcome to WordPress. This is your first post. Edit or delete it, then start writing!

العودة، محاكمته مؤذنة بنهاية أحمق الحرمين – أبو يعرب المرزوقي

224-254-5647
10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
العودة
محاكمته مؤذنة بنهاية أحمق الحرمين

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 2018.09.04/1429.12.23

لسنا بحاجة للاستدلال حتى نقنع الشعوب بغباء ممولي الثورة المضادة.

لكنهم هم كل يوم يقدمون الأدلة على ذلك.

فما يسعون إليه من محاكمة لأفضل علمائهم، هو لغايتين، كانتا تنطليان على الشعوب وترضي منصبيهم عليها، لكنها لم تعد تنطلي على أحد: ذلك أن منصبهم لم يترك لهم خدعة إضفاء الطابع الثوري عليها.

ما مررته أنظمة الانقلابات العسكرية في النصف الثاني من القرن الماضي باسم الثورية التي سمح لهم بها منصبهم، والتي من جنسها ما يحصل باسم الممانعة، لم يعد بالوسع تمريره لأن منصبهم لم يترك لهم حتى هذه الخدعة لإخفاء العمالة والخيانة: صار يعلن عن أوامره ويفرض عليهم تطبيقها في الحين.

ما فعله عبد الناصر بسيد قطب باسم الثورة والوحدة والاشتراكية، ومثله جزارا البعث في العراق وسورية، ومثلهم ما يفعله حزب الله وإيران باسم الممانعة، يريد قردا السعودية والإمارات أن يفعلاه باسم مقاومة ما يسمونه مؤامرة الغرب على العروبة، أي ثورة الشباب

حرمهم حاميهم من استعمال هذه الخدعة.

لا أحد اليوم يصدق ما يمكن أن يلفق للشيخ العودة وأخوته المحتجزين في سجون السعودية والإمارات،

ولم يعد أحد يصدق ما يلصقونه من تهم بالشيخ القرضاوي ومنظمة العلماء المسلمين،

بل الجميع مدرك إلى أن هذين النظامين مثلهما مثل نظام سوريا ومصر ومليشيات الممانعة والملالي، مجرد دمى إجرامية.

حثالة الحكام من العبيد الذين يستعبد بهم الاستعمار شعوبهم، يحاكمون خيرة نخبهم ويصفق لهم أرذل المنتحلين لصفة النخبة من الطبالين في مصر وسوريا والسعودية والإمارات ومعهم المرتزقة في بقية بلاد العرب من سفهاء الإعلام ومنتحلي صفة الخبراء والنخب وخاصة في تونس ومصر أيامهم معدودة.

فليعذرني الاصدقاء في السعودية خاصة:

أليس للشيخ سلمان العودة ملايين المتابعين؟

أليس للعلماء الآخرين المسجونين نفس الأعداد من المتابعين؟

هل هم يتابعون العلماء للاغتذاء بالأقوال التي ليس لها أثر على الأفعال؟

ألا يمكن أن نقول الآن: كيفما تكونون يولى عليكم؟

لماذا لا يتحرك المتابعون؟

صحيح سبقناكم في الاستسلام للاستبداد والفساد.

لكن شبابنا تدارك الأمر ووقعت الثورة، ومن المفروض أن يكون شبابكم متضامنا مع مجايليه ومدافعا عن نخبه الصادقة لا أن يفرح بـ”الحريات الزائفة” مثل سياقة السيارة وفتح بعض الملاهي ذرا للرماد في العيون حتى لا تتحرك فيكم نخوة الشباب وطموحه.

هل يعقل أن تكون أجيال كثيرة درست في الغرب ومع ذلك تظل مستسلمة فلا تفهم الفرق بين حقوق المواطن الفعلية وبعض التفضل عليهم وكأنهم عبيد، كانت رشاوى بمعنى المكرمات، ولما شح لبن البقرة التي حلبها ترومب صارت الرشاوى الحريات الزائفة التي لا يمكن أن ينخدع بها شباب مثقف ومتعلم.

خذوها من تجارب الشعوب التي ثار شبابها قبلكم:

فالدكتاتور يبدأ بمن يسهل عليه اتهامهم ويرضي بتصفيتهم من نصبه، فإنه بعد ذلك سيمر لمن يسكتون عنه الآن.

كذلك عمل ابن علي مع اليسار الذي صفق لضربه الإسلاميين، وكذلك ترون السيسي يفعل مع كل الذين أيدوه على الإخوان وذلك ما سيكون مآلكم دون شك.

وبصرف النظر عن ذلك كله، فأنتم بعد مسحوقون أكثر من كل شباب العرب الآخرين.

ذلك أن البلاد العربية التي ليس لها ثروات قد تكون نخبها الحاكمة معذورة بعض الشيء.

أما أنتم، فمن المفروض أن تكونوا في وضع شبيه بما عليه الدول الغنية في أوروبا أو حتى من أجواركم مثل الكويت وقطر.

أخلاق العبيد، أو تشخيص أمراض النخب العربية – الفصل الثالث – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail
307-269-8380

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
أخلاق العبيد
أو تشخيص أمراض النخب العربية
الفصل الثالث

231-532-0146

تونس في 2018.09.04/1429.12.23

رأينا ان نخبة الإرادة (السياسة) ونخبة الوجود (اصحاب الرؤى) كلتاهما فسدت فيهما معاني الإنسانية بالمصطلح الخلدوني أو في خسر بالمصطلح القرآن، وهما يتمثلان البعد المادي والبعد الرمزي من قرار الجماعة المرتهن بإرادة من نصف الحكام الذين انتخبوا أصحاب الرؤية للخطابين الداخلي والخارجي.

نفس هذه النسبة نجدها في النخبتين المواليتين:

  • نخبة العلم (أو نخبة البحث والتكوين) وهي تمثل المعرفة شرطا للفعل المادي خاصة سواء في الطبيعة أو في التاريخ

  • ونخبة الحياة (نخبة الفنون) وهي تمثل الذوق شرطا في الفعل الرمزي خاصة سواء في الطبيعة أو في التاريخ:

سد الحاجتين المادية والروحية.

ومعنى ذلك أن النخبتين الاوليين -نخبة الإرادة ونخبة الوجود-لا يمكنهما أن تفعلا شيئا وأن تحققا دورهما في الحماية والرعاية المادية والروحية من دون أن يكون للنخبتين الثانيتين-نخبة العلم ونخبة الحياة- تحقيق التموين المادي والروحي للجماعة بما يبدعه العلم والفن لتموين الرعاية والحماية.

ولا أعتقد أنه يوجد من يستطيع أن يقول إن هذين النخبتين تنتجان شيئا يسد الحاجة المادية تموينا للجماعة وتكوينا لناشئتها، وهذا تشخيص موضوعي للأمر الواقع لكن ذلك لا يمكن ألا يكون كذلك وإلا لكانت النخبتان الاوليان أولاهما تعبر عن إرادة الجماعة، والثانية عن رؤاها لشروط حريتها وكرامتها.

ولا أحد يمكنه أن يستغرب من كون الجامعات العربية ومراكز البحث فيها من أكبر أكاذيب الأنظمة ونخبها. فهي لا تنتج حتى ما يمكنها من تمويل ذاتها أو من إنتاج ما تحتاج إليه من أدوات تعليم بسيطة لأنها تعيش على العارية، ومثلها الفنون العربية التي هي نسخ مسيخة من أدنى مستويات فلكلور الغرب.

وحتى لا أظلم الباحثين والطلبة والاساتذة فلأذكر العلتين:

  1. الأولى سياسية

  2. والثانية اقتصادية.

  • فأولا النظام الجامعي ليس نظاما حرا، بل هو خاضع للحكم الذي وصفنا وهو إذن مطلق التسييس.

  • وثانيا لا توجد دولة عربية واحدة قادرة على قاطرة البحث العلمي. فحجم المحميات يحول دونه اقتصاديا.

وحتى أدنى درجات البحث، فهي معدومة بحيث إن الجامعات هي مجرد مدارس ثانوية للتعليم الموجود بأضعف الإيمان دون مشاركة في إيجاد المنشود من البحث حتى في اقل البحوث كلفة.

فعادة يتعلم الناس البحث العلمي في التعامل مع الموجود بذهن إعادة اكتشافه بالبحث وليس بحفظه بالتلقين. وهذا أيضا مفقود.

ولذلك علتان:

  1. فاقل الكفاءات منزلة في سلم الاجور هم أهل التعليم بجنسيهم وفي كل مستوياته ما يجعل شروط التفرغ للبحث من رابع المستحيلات

  2. وأقل المؤسسات تجهيزا للبحث هي الجامعات ومراكز البحث وخاصة ما تعلق منها بالوظيفتين الأساسيتين تطبيق المعرفة للإنتاجين المادي والرمزي.

وأبرز مثال الفنون الطبيعة والفنون الزراعية والفنون التقنية حتى في التقنيات التي يكون فيها التجهيز قليل الكلفة ما يعني أن المؤسسات التعليمية لا تتجاوز التلقين القولي شبه الخالي من قابلية الانتقال من النظرية إلى التطبيق في أي مجال يمكن أن يسد حاجات الجماعة المادية والروحية.

ويكفي مثال تداوي الأغنياء والحكام وبطانتهم ومعهم المافيات التي تمثل النقابات خارج الوطن بدلا من تجهيز المستشفيات الجامعية بما يمكن من الاستغناء عن العلاج خارج الوطن وخاصة بالنسبة إلى رجال الدولة الذين من المفروض أن تكون ملفاتهم الصحية من أسرار الدولة.

وهذا يحصل بعد أن بلغ سن الجامعات العربية والمؤسسات الاستشفائية ما يناهز القرن أو أكثر في بعض بلاد العرب.

وإذن فلا تزال المؤسسات التربوية والبحثية ذات ثقافة قولية لا علاقة لها بالبحث العلمي وتطبيقاته في سد الحاجات المادية والروحية للجماعة، بل هي ثقافة عامة لا تتجاوز حفظ عموميات المعرفة.

ولهذه العلة، فجل النخب الجامعية تنقسم إلى مكونين إيديولوجيين وخريجين عاطلين.

فالتكوين لا يتجاوز إنتاج الموظفين، والحط من التكوين المنتج لما يسد الحاجات والخدمات المنتجة.

والمثال أن تونس اليوم فيها ما يقرب من مليون عاطل وحاجة ماسة لعدة أعمال لا تجد من يستطيع ولا من يريد تعلمها.

ولا أعتقد أن الوضعية التونسية فريدة.

فالداء واحد في كل انظمة التعليم العربية بكل مستوياتها.

ما تزال هذه الانظمة تعيش على رؤية تعليمية همها “ثقافة” الاقوال وتزيين الاذهان بالعموميات التي تثقل تكوين الأجيال ولا علاقة لها بثقافة الأفعال من أدناها إلى اسماها القادرة على سد الحاجات.

والفنون كلها ما تزال رعوانية بمعنى أنها لا علاقة لها بالبحث العلمي وغالبها من جنس “الميكانكيين” العاديين الذين يتعلمون صنعة بالمحاكاة في إصلاح السيارات.

ويمكن القول إنها “مواهب” غفلة لم تتجاوز “تعلم الحجامة في رؤوس اليتامى”. فسد الحاجات الروحية في وضع أردء من سد الحاجات المادية.

ويمكن القول إن الفنون العربية ما تزال في مستوى الفلكلور الشعبي عديم التهذيب والذوق أو في مستوى التقليد الممسوخ لما يظن شبيها بالفنون الغربية دون العلم بأن هذه كلها مبنية على نظريات وعلى علوم الذوق الذي فيه ما هو خصوصي وما هو كوني من حيث المطالب وليس من حيث الأساليب.

فيصبح الجميع مسترزقا بسبب ضرورات المعيشة ولا يتفرغ أحد بحق للبحث في العلوم والفنون وللإبداع فيهما.

فيفسد شرطا كل قدرة وهي النوع الأخير من النخب:

لن يكون الاقتصاد والثقافة أساسي الإنتاج المادي والروحي أو انتاج الثروة والتراث بإنتاج شروطهما أعني علاج العلاقتين الأفقية والعمودية.

صحيح أن للثروة أساس، طبيعي وأن للتراث أساس تاريخي لكن الأساس الطبيعي لا يصبح ثروة من دون علاج العلاقة العمودية بين الجماعة والطبيعية وتلك هي وظيفة العلوم وتطبيقاتها ولا تراث من دون علاج العلاقة الأفقية بين الجماعة وذاتها خلال العلاج الأول شرط التبادل والثاني شرط التواصل.

  • وقد سمى ابن خلدون العلاج الأول العمران البشري، واعتبره للتعاون من أجل سد الحاجات المادية

  • وسمى الثاني الاجتماع الإنساني واعتبره للتواصل من أجل الأنس بالعشير أو الحاجات الروحية.

فقدت فاعليتهما فلم يبق إنتاج اقتصادي للثروة وثقافي للتراث بل مافية للتجارة بالطبيعة والتاريخ والمنتجين.

ما يسمى بالاقتصاد العربي لا يتجاوز:

  • تجارة المواد الأولية (البترول مثلا) لعدم القدرة على تحويلها

  • وتجارة التراث القديم (السياحة مثلا) لعدم إنتاج تراث حديث يعتد به.

صحيح أن بعض العرب وجد تجارة أحقر من هذين وهي تجارة الجنس والتحديث السافل يجعل رزقهم مستمدا من المواخير العالمية.

وواضح أن استمداد الرزق من المواخير غير ممكن من أحد حالتين:

  • ففي الغرب هو جزء ضئيل في الانتاجين المادي والروحي أي من الاقتصاد بشروطه العلمية والتقنية

  • ومن الثقافة بنفس الشروط لأن الثقافة جزء من الاقتصاد والاقتصاد جزء من الثقافة من حيث هما ثمرة الإبداع العلمي والتقني.

أما في حالة انعدام علاج العلاقتين:

  • العمودية بين الجماعة والطبيعة

  • والافقية بين الجماعة والتاريخ بالعلوم وتطبيقاتها التي هي أساس الثروة والتراث

فأساس الارتزاق بالجنس والمواخير هو إما البترول أو السياحة وما يتبعهما من تجارة بفضلات إنتاج الشعوب الأخرى: وتلك هي حال العرب اليوم.

وبذلك تكون نخبة القدرة هي مافيات الجماعة التي استبدت بالثروة الوطنية وبالتراث الوطني وهي التي أقعدت أساس كل ثروة أعني نخبة العلم ونخبة الفن اللتين صارتا مجرد جيش من العاطلين لأنهم لا ينتجون شرط كل إنتاج، أي الإنسان والعلوم وتطبيقاتها والفنون وتطبيقاتها: إيديولوجيا وملاهي سافلتين.

فبعد قرنين من محاولات النهوض – قرن تحت الاستعمار المباشر وقرن تحت الاستعمار غير المباشر الذي تبين أنه أشد وأمر من الاول- لم نسمع ببلد عربي واحد يستحق العالم لغير مواده الخام ولمناخه ولتراث الحضارات التي مضت ولم يكن له فيها دور كبير يذكر. والعلة انتحال صفة النخبة العلمية والفنية.

وهذا الانتحال هو الوحيد الذي يلغي وجود من يعتبر عالما بحق وفنانا بحق، لأن من ليس طالبا للقدرة الفعلية في سد الحاجتين المادية والروحية هو الذي ينتخب المنتحلين مثله حتى يسيطر على الثروة الطبيعية والتراث التاريخي بضاعتين بخستين والتجارة التابعة في فضلات ما ينتجه غير شعبه.

وبذلك أكون قد بينت خفايا ما يبدو غير مفهوم في عمل النخب الخمسة:

  1. نخبة الإرادة التي لا إرادة لها

  2. ونخبة الرؤية التي لا رؤية لها

  3. ونخبة العلم التي لا علم لها

  4. ونخبة الفن التي لا فن لها

  5. ونخبة القدرة التي لا قدرة لها

لأنها مافيات نصبها سيد المنتحلين الذين اختارهم ليكونوا في خدمة مشروعه.

وبالكلام على المشروع الذي هم في خدمته والذي هو لصالح من نصبهم، أنتقل إلى القسم الثاني من هذه المحاولة في الفصلين المواليين للجواب عن السؤال التالي:

لماذا صارت هذه النخب المنتحلة سكاكين تقطع كل ما في الإسلام من شروط العزة والكرامة التي تحرر الأمة من هذه الانتحالات الخمسة؟

أخلاق العبيد، أو تشخيص أمراض النخب العربية – الفصل الثاني – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail
828-353-4983

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
أخلاق العبيد
أو تشخيص أمراض النخب العربية
الفصل الثاني

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 2018.09.03/1429.12.22

وإذا كانت النخبة السياسية هي ما وصفنا، وهي أردء تمثيل للإرادة لأنها معكوسة تماما، إذ لا تمثل إرادة الجماعة بل إرادة من نصبها عليها لتكون ذراع الاستعمار غير المباشر بالقوة المادية للمحمية، فإن النخبة الرؤيوية (نخبة النقل والعقل بالمعنى التقليدي) تمثل نفس الشيء ولكن بالقوة الرمزية.

والنخبة السياسية تحتاج إليهما بنفس القدر، وهي نخبة عبودية من المستوى الثاني أي إنها تابعة للنخبة السياسية التي هي تابعة لمن نصبها على الجماعة. فهي تختار أدواتها من النخبة الرؤيوية التي تتكلم باسم الأصالة لمخاطبة الداخل ومن النخبة الرؤيوية التي تتكلم باسم الحداثة لمخاطبة الخارج وتستفيد من المعارك الدينية بينهما كلما احتاجت إلى تلهيات أو مناورات من جنس التي يستعملها رئيس تونس بتقرير لجنة التسعة وحملات السيسي لما يسميه هو وطبالوه بمراجعة الخطاب الديني، معارك وهمية تلهي عن المآسي التي يمررونها باسم  التحديث والتأصيل الكاريكاتوريين.

فلنتكلم الآن على هذه النخبة الثانية في بلاد العرب.

لن أتكلم عن المضطهدين من النخبتين، ولا أدعي أنهم بالضرورة يمثلون استثناء في هذا المناخ الذي تفرضه طبيعة المحميات التي “شكلت” لتكون بمقتضى حجمها الجغرافي ومنزلتها التاريخية فاقدة لشروط التنمية المادية والروحية فضلا عن التبعية.

سأكتفي بمن لهم امتياز انتخاب الحكام لهم في الوظيفتين اللتين وصفت، أي لسان المافيات الحاكمة حكم عبيد تابع لمن نصبهم في خطابهم الموجه إلى الشعب والموجب إلى سيدهم الذي نصبهم على المحميات بأصنافه الأربعة أي الذراعين (إيران وإسرائيل) وسيدي الذراعين (روسيا وأمريكا).

وبين أنهم لو كانوا حقا يمثلون رؤى صادقة وفي خدمة شعوبهم، لما اختارهم حكام المحميات العربية ولو كان منهم من صادف أن “مر” في هذا الاختيار وكان من الصادقين ويريد خدمة الشعب، فإن سرعان ما سيزج به في السجن أو سيضطر، طلبا للسلامة، إما إلى السكوت أو إلى الهجرة.

وما أقوله ليس مقصورا على ما أعرفه عيانا في تونس، بل إنه ينسحب على كل بلاد العرب من الماء إلى الماء.

ويكفي أن تذهب إلى أي بلد غير عربي حتى تجد الكثير من هؤلاء الفارين بجلدهم، والذين لو بقوا في بلادهم لماتوا جوعا ولنكل بهم أيما تنكيل، وطبعا لا يعني ذلك أن كل المهاجرين هم من هذا النوع.

وقد اكتملت الصورة منذ أن أصبح سلاح تهمة الإرهاب أو الاخونة أو الإسلام السياسي من أهم ادوات تثبيت الأنظمة العميلة التي تتسابق في قتل كل من يشتم فيه رائحة الوطنية، فضلا عن الإسلامية، أو حتى النزاهة وحب الحرية الفكرية والاستقلال المنظوري في رؤية الأشياء المخالفة لدكتاتور بلده ونخبه.

لكن الاخطر هو التنافس بين التابعين في التعبير عن التبعية:

الكل صار من جنس الشعراء الكدائين في المدح، حتى بلغ ببعضهم إلى وصف اغبى مخلوق حكم مصر-السيسي-بما يقرب من صفات الالوهية، أما صفات الأنبياء فالكثير منهم تجاوزها في مصر على الأقل ومعه ممولو الثورة المضادة.

والشيء الذي تبين لكل متابع، هو أن أدعياء الحداثة صاروا هم بدورهم ينافسون من كانوا يتهمونهم بأنهم فقهاء السلطان صاروا “أفقه” منهم في الطبل والزمر للسلطان.

وإذا كان يوجد شيء يشين القضية الفلسطينية خاصة وكرامة الإنسان العربي عامة فهو “مافية” الإعلاميين العرب في الأوطان والمهاجر.

وهذا هو الجامع بين الكاريكاتورين التحديثي والتأصيلي.

أصبح لنا جامعيتان: وغلبت جامعية التحديث الأكثر تطبيلا.

ففي عهد ابن علي برزت خاصية الجامعية التي تدعي الحداثة، فألفت كتبا تدعي التفلسف وقدمت محاضرات في “حكمة” ابن علي وفي “فلسفته الخلقية” وفي “ثورته الهادئة” وفي حكمة الحلاّقة.

وحكيمة الحلاّقة المسكينة فقدت عقلها نهائيا وصارت تهذي وتحلم بعودة ابن علي علها تشبع رغباتها البدائية التي تعتبرها ثورة فكرية تبشر بتجاوز كل القيم لتعود إلى ما دون المائدة والسرير اكتفاء بما في اصطبل الحمير.

ليست الوحيدة.

جلهن يحلمن بالعودة ويتهمن الإسلام بحرمانهن من جناتهن البهيمية.

فرضت الجامعيتان على العرب طيلة النصف الثاني من القرن الماضي الحرب بين:

  • كاريكاتور التحديث (العسكر)

  • وكاريكاتور التأصيل (القبائل)

فدنسوا الحداثة والإسلام بكل ما يقدمونه بديلا منهما من قشور الحداثة والأصالة، فكانت النتيجة ابقاء العرب خارج التاريخ استثناء في العالم كله.

لكنهم اتحدوا الآن ضد ثورة الشباب بجنسيه فأصبحت الجامعيتان والنظامان العسكري والقبلي متحالفين عليها لمضاعفة الذراعين:

  • بعضهم صار رديفا للذراع الصفوية

  • والثاني للذراع الصهيونية مع الذراعين وسندي الذراعين الذين نصبوهم للحرب على الشعوب التي ثارت ولن تتوقف حتى تحرر الأمة منهم جميعا.

وهذه الوحدة تعني الكثير.

فرغم أنها تبدو أنهم قد جمعوا للثورة وأنهم أقوياء وقد يتغلبون عليها إلا أن التاريخ يقضي بالعكس تماما.

فالثروة الفرنسية رغم انحرافها النابليوني، هي التي انتصرت في النهاية على الحلف المقدس للأنظمة التي هزمتها عسكريا: لكن قيم الثورة فرضت نفسها عليهم بأقدار.

وهم الآن لن يحققوا حتى النصر العسكري الذي حققه الحلف المقدس الغربي ضد الثورة الفرنسية.

ذلك أن أكبر ما يفاخر به العملاء وخاصة دجالو الممانعة هو الخضوع النهائي لإسرائيل وروسيا اللتين ستخرجهم صاغرين وثورة الشباب ما تزال على نفس القدرة للإطاحة بهم ولو بعد حين.

وبخلاف الكثير، فإني اعتقد أن نصر الثورة لو كان سريعا وناجزا لما تجذرت بمعنيي التجذر:

  • فهي تتجذر في مرجعيتها بعد تحريرها من الكاريكاتورين

  • وهي تتجذر في وظائفها بعد تحررها من المطالب المباشرة وانتقالها إلى شروط المطالب المباشرة أعني تجاوز معيقات شروط التنمية المادية والعلمية.

فالموجة الأولى من ثورة الشباب بجنسيه كانت شبه عفوية، لأن شعاراتها على عمقها كانت تعبيرا عن اللاوعي بالمرجعية وبالأهداف. ولم تتدرج في الوعي بهما إلا بفضل هذه صمود الشباب الذي اجبر العالم كله على تأليف حلف ذي وجهين:

  • السكوت على كل المليشيات

  • وتكوين حركات المخابرات التي حاربت الثورة.

ومع ذلك فشلوا، لأن:

  • احتياج النظام لإيران ومليشياتها

  • واحتياج إيران لبوتين وطائراته

  • واحتياج بوتين لتطمين إسرائيل بأنه لن يخرج إلا بعد أن يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل الثورة، أي جعل نظام كلاب دمشق ومليشيا حزب الله حرسا لحدودها كما كان عليه الأمر تحت مسمى “الممانعة”.

أما السيسي وحفتر والحوثيون وكل ما شابههم مع مراهقي الثورة المضادة ومموليها، فقد قيض الله له ترومب حتى يستعملهم بصورة تجعل شعوبهم تصبح في وضع الشعوب العربية الاخرى التي ثارت على انظمتها لأنهم صاروا فاقدين لمن كانوا يرشونهم به من فضلات نهب ثرواتهم والعدوان عليهم.

وبالمناسبة، فقد كنت دائما أدعو إلى جعل مافية ابن علي تعود إلى الحكم في أقرب وقت -ومن هنا معارضتي للألاعيب حزب المرزوقي- حتى لا تتحمل الثورة نتائج ستين سنة من سلوك مافياتهم.

كان مطلبي أن تتبين للشعب خلال عودتهم أنهم ذيل الكلب الذي لن يستقيم،  وستعود حليمة لعادتها القديمة.

وكنت أتمنى لو أن الإسلاميين تركوهم يحكمون وحدهم حتى لا يتحملوا مسؤولية حكم لا سلطان لهم عليه حتى وإن كنت أجد لهم عذرا بعد ما حدث في مصر وما كانوا مهددين به منه تمصير الثورة التونسية، فكان الوجود في الحكم فعلا دفاعيا وليس حبا في الحكم.

ورمزية المشاركة المضطرة لا تعفيهم من المسؤولة.

وفي الغاية، فإن الأنظمة العميلة ومن يتحالف معها من الحزيبات التي تساندها والنخب الرؤيوية بصنفيها لم يعد لها تأثير يذكر، وهو ما جعل الاستعمار غير المباشر الذي يحميهم عاد فصار مباشرا وهو معنى الحاجة إلى تكوين احلاف ومبررات للتدخل ضد إرهاب هم صانعوه:

فضحهم ترومب فسمى حضور جيشه باسمه.

ألم يقل لهم نحن هنا لنحميكم فادفعوا وإلا فأنظمتكم ستتساقط كورق الخريف؟

ويخطئ من يتصور أنه يحميهم من إيران، بل هو يحميهم من ثورة شبابهم بجنسيه.

فإيران نفسها في نفس وضعيتهم: شبابها بجنسيه أصبح يؤمن مثل شبابنا بأنه ضحية أنظمة عميلة إذ لا فرق بين روسيا وأمريكا رغم عنتريات “زورو” إيران.

(276) 431-9356

Abou Yaareb thumbnail
10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
أخلاق العبيد
أو تشخيص أمراض النخب العربية
الفصل الأول

2088845373

تونس في 2018.09.03/1429.12.22

عندما اسهمت في علاج المناورة التي لجأ لها رئيس فقد ادواته كلها ولم يبق له إلا اللعب على الوتر الذي يمكن أن يرضي “المسؤول الكبير”، سعيت لتجنب الفخ الذي اراد نصبه للإسلاميين ظنا منه ومن ندمائه أنهم ما زالوا مغفلين كما كانوا في المراحل السابقة من تاريخهم السياسي الحديث.
فضلت أن أنقل المعركة إلى أرضهم فجعلتها قانونية واقتصادية وثقافية، وخاصة في المجال الذي يفضح نفس ما فضحه المسعى إلى جعلهم يعودون بسرعة إلى الحكم حتى يتبين أنهم لم يتغيروا حتى يتأكد الشعب أن “الحكومات الاربع” هي من أكاذيب الكفاءة المزعومة التي “مفيزت” كل شيء في تونس.
واحمد الله أن خاتمة هذا الاختبار كانت ردود فعل من مثقفيهم المزعومين، أعني الحثالة التي أغلبها من خريجي الحانات و”بصاصي” الداخلية والمخابرات من أدناهم إلى اعلاهم، وحتى ممن يتصورونهم زعماء أو قادة.
فقد فضحتهم قضية التقرير كما فضحتهم الثورة، وبينت انهم بقايا “القُومية” أو الحركيين.
والآن أريد في هذه المحاولة الشروع في علاج قضيتين:
• قضية فساد معاني الإنسانية في نخب الحداثة العربية عامة وفي نخب تونس ومصر خاصة (حصرا في من أعرفهم جيد المعرفة)
• المرور إلى العلاج البنيوي والفلسفي لمسألة الفرائض وصلتي الرحم الكونية والجزئية في النساء من 1 إلى 42
وكان يمكن ألا أخوض في المسالة من هذا المنظور لو كان الأمر متعلقا بهذه القضية الظرفية قضية المناورة الرئاسية.
لكن تنمر البعض ممن أراد، وإن بغير وعي، أن يعيد الإسلاميين إلى المربع الأول فيجعل المسألة متعلقة بتأويلات القرآن بدلا من علاجها بما يفسد إلى أعدائه لعبة التعالم الهرمينوطيقي.
ولما كنت قد عريت الكثير من أدعياء الكلام في المسألة الدينية، وهم من حثالة أقسام العربية في تونس ومصر وفرنسا- كلهم منها ناصر حامد أبو زيد، عركون، الشرفي، وهم اعلام التخريف حول الفكر الديني مع بعض أدعياء النقد الثقافي في الآدب- وكنت جربت قراءة القرآن فلسفيا، فإن هذا المنظور بات مطلوبا.
لذلك جمعت هذين المدخلين،
• أولهما استكمالا للبحث في علل تخلف أدعياء الدفاع عن التحديث من نخب العرب
• والثاني استكمالا للبحث في علل تخلف منه هم من جنسهم من أدعياء الدفاع عن التأصيل من نخب الإسلام.
ورغم أني عربي، فإني اعترف بأن أكثر المسلمين تخلفا في التحديث والتأصيل هم العرب.
ولا أعني بالعرب من هم عرب بالجنس- وأنا من هؤلاء- بل كل من صارت ثقافته عربية بعد أن خرجوا من تاريخ الحضارة الإسلامية ذاتها ونكصوا إلى الجاهلية، ولا يزالون من الماء إلى الماء، إذ هم في الاقليم أكثر شعوبه فوضى وتخلفا، وأكثرهم دعوى حداثية هم أقربهم للبداوة والقبلية من المغرب إلى العراق.
وإذن فالقضية ليست عرقية وليست حتى حضارية، بل هي نكوص إلى ما قبل الحضارة الإسلامية:
بدأ بسبب الانحطاط،
ثم تدعم بسبب وهم استرجاع هويات سابقة على التاريخ الإسلامي في الأنظمة القومية، ولاحقة للتاريخ الإسلامي عند أدعياء الحداثة ممن تبنوا الدولة القومية بالمعنى الأوروبي دون ثقافتها.

وما لم نفهم أن النكوص مخمس الأبعاد:
1. نكوص بسبب الانحطاط بالخروج من التاريخ الإسلامي الفاعل والجمود في عادات القبلية التي حررنا منها الإسلام
2. نكوص إلى ما قبل الإسلام لتأسيس “المحميات القطرية” (فرعوني بابلي قرطاجني)
3. نكوص إلى القومية الاوربية في شكلها العنصري، ثم تبني التنظيمات السياسية الفاشية لأوروبا ما بين الحربين في الاحزاب القومية العربية
4. تبني النظام المزعوم اشتراكيا في الانقلابات العسكرية
5. وأخيرا تبني الأنظمة القبلية الأكثر تخلفا حضاريا رغم الثراء المادي لليبرالية والعلمنة بقيادة المراهقين: علل الاستثناء العربي الخمسة.

ذلك أن الدول الإسلامية التي تحررت مما يحول دونها والجمع السوي بين الأصيل والحديث، موجودة في غير المسلمين العرب أو الذين تعربوا من أهل الاقليم:
فتركيا وماليزيا وإندونيسيا وحتى باكستان، كلها تمكنت بشيء من النجاح لا يستهان به في تحقيق ما يمكن اعتباره بداية الاستئناف السوي للبناء.
وأذكر أن الكثير من البعثيين العراقيين والسوريين على حد سواء كانوا يعادونني لما كنت لا أصدق خطابهم، وخاصة عندما يدعون أن العراق مثل نمور آسيا وأنه قوة عظمى.
كنت اعتبر هذه الكلمة “قوة عظمى” لها دلالتها عند القذافي في كلامه على ليبيا.
واثبت التاريخ أن العراق أكثر تخلفا من بقية العرب.
وما نراه في سوريا والعراق وليبيا وفي مصر وما سنراه في الكثير من دول الخليج التي تبدو غنية من أوهام الحداثة، لا يحتاج للكثير من العمق حتى نعلم أن العرب كلهم في الهوى سواء وأنهم ما يزالون استثناء لا بد من فهمه للتمكن من التغلب عليه.
وأدق تفسير هو مفهوم “فساد معاني الإنسانية الخلدوني”.

وبه أبدأ وصف النخب الخمس التي تتألف منها أي جماعة ذات أنظمة سياسية ومعرفية واقتصادية وثقافية وذوقية ورؤية تجعلها بحق جماعة يمكن أن تبني حضارة تعبر عن حرية الفرد وأخلاقه وعن قيم الجماعة وشروط قيامها رعاية وحماية، بحيث تصبح أهلا لأن تعتبر مواصلة لحضارة الإسلام.

ولأبدأ بالنخبة الأولى أو النخبة السياسية، وهي أولى بمعنى أنها هي الابرز في تحليل مسار الشعوب ومصير الدول التي هي العبارة القانونية والحضارية لوجود الجماعة المنظمة بصورة تجعلها ذات كيان له سيادة تعبر عن قدرتيه:
الرعاية والحماية الذاتين.
وبين أن هذين مفقودتان في كل بلاد العرب.
فالنخبة السياسية إذا كانت بحق نخبة وسياسية، هي النخبة التي تعبر عن إرادة الجماعة، وإذا كانت غير مفروضة على الجماعة فهي من اختارتهم ليكونوا معبرين عن إرادتها.
فمن يستطيع ان يدعي صادقا أن من نسميهم ساسة عرب اليوم يعبرون عن إرادة الشعوب العربية بالمعنى الذي عرفته من الماء إلى الماء؟
وعندي معيار بسيط للجواب عن هذا السؤال لأفهم من قد يجادل فيدعي أني أبالغ:
الغ امرين وانظر في من تسميهم ساسة، هل سيتسابقون لتمثيل إرادة الجماعة كما يزعمون:
• الغ السند الخارجي الذي ينصبهم عنوة ويعزل من يختاره الشعب
• الغ ما صارت عليه السياسة مصدرا للإثراء السريع.
إذا وجدت بعد هذين الإلغاءين نفس هذه الوجوه وبنفس هذا الحماس الذي يجعل تونس فيها 200 حزب سأعترف لك بأني مخطئ في توصيفي للنخبة التي من المفروض ان تكون معبرة عن إرادة الجماعة، وفي الحقيقة تعبر عن إرادة من يوظفها لاستعباد الجماعة مقابل السماح لهم بنهب ما يبقيه لهم من مص دمها.
فلو نحينا الفرض الخارجي والسياسة التي هي طريق سيارة للإثراء لغاب التزاحم على القيام بهذه المهمة الشاقة ولصار الكثير يزهد فيها، بل لصار من العسير إيجاد “متطوعين” لخدمة الجماعة “لوجه الله” أو “لوطنية” صادقة.
بهذا نعلم الفرق بين “صلاح معاني الإنسانية” و”فساد معاني الإنسانية”.
وهذا المعنى الذي أرجعه ابن خلدون إلى خلل في نظام التربية وفي نظام الحكم مفهوم يصف النخبة السياسية العربية – مع استثناءات لعل أبرز علاماتها وجودهم في السجون أو في المهاجر- فلسفيا بالصفات التالية:
نفسيا كسالى خلقيا منافقين انفعالا (تقية) وخبثاء فعلا (تحيل) يقبلون العبودية.
والغاية هي كما وصفهم ابن خلدون “يردون أسفل السافلين” عندما تنظر في علاقتهم بمن وضعهم حيث هم أي سيدهم وعندنا نحن العرب أربعة أسياد لهؤلاء الأذلاء:
• الذراعان إيران وإسرائيل
• ومنه وراء الذراعين روسا وأمريكا.
انظر من الماء إلى الماء إذا وجدت ما يخالف ما أصف فأنا كاذب وظالم.
وهذا الوصف الخلدوني يناظر وصفا قرآنيا أبلغ لأنه يجمع في نفس السورة – صورة العصر الوجهين السلبي والإيجابي:
• فالسلبي يسميه الخسر.
• والإيجابي هو شروط الاستثناء منه.
وهي خمسة:
• أولها الوعي بهذا بفساد معاني الإنسانية الذي هو الخسر
• والأربعة الباقية منقسمة إلى نوعين وصفا للفرد وللجماعة.
فأما وصف الفرد فمضاعف وهو:
1. الإيمان (الصادق)
2. والعمل الصالح (أصفت الصادق لان هنا شرط العمل الصالح).
ومثله وصف الجماعة:
3. التواصي بالحق طلبا للحقيقة.
4. التواصي بالصبر سعيا لتحقيقها.
ومن ثم:
1. فالأول يتعلق بالعقيدة والنظر أو الاجتهاد
2. والثاني يتعلق بالشريعة العمل أو الجهاد.
والاجتهاد يتعلق بطلب الحقيقة من أجل معرفة شروط القيام المادي والروحي، لأن الإنسان مستعمر في الارض بقيم الاستخلاف وهما يقتضيان علوم الطبيعة وعلوم الأخلاق (مسألة ابستمولوجية وأكسيولوجية).
والجهاد يتعلق بتحقيقها بالعمل بما تقدم في الاجتهاد أي سد الحاجات المادية والروحي رعاية وحماية.
تلك هي الازمة السياسية في بلاد العرب.
الساسة مفروضون والساسة مافية تتقاسم مع ما يفرضه نهب الجماعة واستعبادها، وهي تستعمل قوة الدولة ليس لرعاية شعبها وحمايته، بل هي تستعملها للبطش به ولتطويعه وتغيير ثقافته وقيمه وحتى روحه ليكون عبدا ذليلا لها ولما يستعبدها: عبيد لحماتهم.

مسألة المواريث، عرت من هم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} – أبو يعرب المرزوقي

Abou Yaareb thumbnail
403-327-6254

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
مسألة المواريث
عرت من هم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 2018.09.03/1429.12.22

أفهم جيدا ألا يفهم الكثير من أبطال التواصل الاجتماعي ممن يتكلمون في العلاقة بين أنظمة انتقال الملكية من المالك إلى الورثة والأمرين اللذين ربطتهما بها، أي مسالة الزراعة ومسألة التزاوج الخارجي في الجماعات البشرية. فغالبهم يعلم القاصي والداني مستوى “تكوينهم وثقافتهم” وطبيعة “عملهم”.

وأفهم أن ذوي الرؤى الوجودية “الاناركية” يتصورون غالبية الجماعات البشرية غير سوية لأنها لا تشاركهم رؤاهم التي لا تعترف بما يثبته التاريخ والانثروبولوجيا من “قوانين” قد لا ترضيهم لكنها موجودة وهي لا تختلف كثيرا عن قوانين الطبيعة التي ليست طوع “ثوريتهم” ضد ما يعتبرونه قيودا تحكمية.

وأفهم كذلك أن هؤلاء “الثوريين” يعتبرون البحث في علاقتين:
• بين أنظمة المواريث وأنظمة الزراعة
• وبينها وبين أنظمة الزواج من “الهذيان الفلسفي”
الحدود الوسطى بين الانظمة ليست مباشرة ولا يدركها من لا يتجاوز فهمه المدركات المباشرة لكونهم “صما بكما عميا فهم لا يعقلون”.

لذلك فلا يمكنني الرد على أحد من هؤلاء.
فمن ليس له مستوى تكوينيّ، ويعلم الجميع أين يعمل وكيف يعيش، فلا لوم عليه.
ومن أصيب في ملكاته العقلية والعاطفية، حتى وإن كان له مستوى تكويني كان يمكن أن يؤهله للكلام في المسألتين، فليس عليه من حرج لما يعانيه من فوضى روحية وعقلية نطلب له الشفاء.

وقد قرأت لأحد الباحثين الجديين كلاما فيه شيء من النزاهة لأنه اعترف بالمشكل رغم ظنه أني نظرت فيه بمرآة دينية.
وطبعا لا يمكن أن ألومه، فمن حقه أن يؤول دوافعي في علاج القضية وطلب الحدود الوسطى التي تربط بين القضية وما يترتب عليها.
لكني لم أفهم حله: من سيفرضه على شعب ثائر وديموقراطي؟
فهل يعتقد أن الشعب التونسي – وخاصة المزارعين الصغار- يمكن أن يقبلوا بستالين جديد يضع كل الشروط التي اعتبرها ضرورية لتحقيق الإصلاح الذي يقترحه للمواريث دون ضرر على الزراعة؟
ومن يضمن الا تحصل المجاعات التي أدت إليها الإصلاحات الزراعية التحكمية في العالم كله؟
هل نسي تجربة التعاضد؟
وهبنا سلمنا بأن ذلك ممكن ومثمر – وكلاهما غير صحيح- لكن للجدل فلنقبل بذلك:
كيف نضمن في الأرياف التزاوج الخارجي بصرف النظر عن نظام الملكية؟ فليست كل الاسر “متحررة” فتستطيع بناتها عدم التقيد بسلطانها.
غالبية الشعب ذو ثقافة تقليدية حيث الزواج علاقة بين اسرتين وليس فردين.
لذلك، فالتزاوج الداخلي هو الغالب للحفاظ على الملكية في الأسرة.
وطبعا يمكن لمن يفكر مثل ألفة يوسف الالتزام بالحل المتمثل في العودة إلى ما قبل نشأة الأسرة أو الذهاب إلى ما بعدها عند “الفنانين” والأغنياء.
لكنها لن تكون إلا “كلوشارة” فذهاب سيدتها أفقدها الشرط: جنون الأوتيسم وطلب اللذة الرخيصة.
ويمكن في حالة ما رأيته من ردود على رواية لعمل لم يحضره المعلقون ولم يقرأوه، لأنه لم يصدر بعد الكلام على اعتراضات تدل على عدم الوعي بالحدود الوسطى بين المواريث والزراعة وبينها وبين الزيجات الخارجية، أو على عدم تسليم بأن للبشر مشتركات قيمية كلية يصعب التلاعب بها دون الاضرار المعلومة.

والرد على النوع الأول عديم المعنى، لأن الكلام على شروط الكلام صار يعتبر تمييزا غير مقبول، بمعنى أن الفهم الخاطئ للمساواة في التصويت الديموقراطي الذي يكفي شرطا له المواطنة، صار يعتبر مبدأ عاما يصح في كل شيء، فيصبح كل إنسان طبيبا بالفطرة وانثروبولوجيا وقانونيا واقتصاديا بالفطرة.

والنوع الثاني أيضا لا يمكن مناقشته لان القول بنسبية القيم يعني عند هؤلاء ما يعنيه اختلاف الذوق في مستوى التذوق والتقييم الفرديين.
لا يقبلون أن تكون النسبية هي بدورها نسبية.
ومعنى ذلك أن الاختلافات الفردية في الذوق وفي القيم حقيقة، لكنها لا تنفي حقيقة ثانية تتجاوزها.
ولولا ذلك، لما وجدت سنن، حتى لا نقول قوانين انثروبولوجية، تحدد خصائص ذوقية مشتركة، ناهيك عن الخصائص القيمية المشتركة، ومنها العلاقة بين نظام الملكية وانتقالها وعلاقته بنظام الاقتصاد ونظام التزاوج.
فمن ينكر أن التزاوج له صلة بالملكية وغلبة الداخلي على الخارجي في جميع الشعوب، أعمى.
وأن يشرع نظام سياسي في تغيير الأنظمة القانونية والتقاليد دون اعتبار لهذه المعطيات الانثروبولوجية، دليل استخفاف مضاعف:
• يتوهمون أن الشعب التونسي بعد ثورة يمكن أن يقبل أن تقوده من فوق قلة لا تمثل 1 في المائة منه
• وأن القوانين تحكمية ليست خاضعة لنظام يجعل كل واحد منها مترابطا مع البقية

يزعمون الحداثة والتقدمية والديموقراطية وينسون أن أخطر شيء في أي جماعة هو المس بنظام الملكية وخاصة الملكية الزراعية التي هي قدم أخيل الذي أسقط كل الانظمة الاستبدادية، وخاصة التي اقدمت على ما يسمونه الإصلاح الزراعي والمجاعات الناتجة عنه في الصين وروسيا وكل من تبعهما عندنا.

ولست معارضا للإصلاح في أي مجال من مجالات الحياة الجماعية.
لكن أي إصلاح فوقي لا يأخذ بعين الاعتبار إرادة الشعب وتقاليده والعلاقات العميقة بين الانظمة المتضامنة، أعني القانوني والاقتصادي والثقافي والقيمي والروحي في نسق متناغم، سيؤدي حتما إلى ما حاولت بيانه من عواقب.
ما لا يفهمه المرء حقا، هو أن ادعياء الحداثة العرب يتصورن الجماعة “جملة أفراد” كل يغني على ليلاه وليس بينهم روابط، أهمها ما يجعلهم يشتركون في شروط العيش المشترك والقيم التي لأجلها يتعايش الناس استكمالا لشروط الوجود التي لا يمكن للفرد بمفرده أن يحققها وهي:
مادية وروحية
رعاية وحماية.
وما يأسف له المرء أكثر، هو أن رئيس دولة في أرذل العمر يعبث بهذه الشروط ويتعامل معها بوصفها أدوات ألعاب سياسوية تدل على قصور ذهني وخرف وليس على فكر استشرافي يفيد تونس وشعبها، خاصة ثورتها ومسعاها للانتقال السلمي من الاستبداد والفساد إلى الحرية والكرامة.
فحتى لو فرضنا أن ما تطلبه القلة قياسا على ما تطلبه منهم القوى التي تحميهم وتحكمهم في رقاب الشعب مصير كوني، وأنه أفضل مما عليه غيرهم، فإن ترضية ما لا يزيد عددهم على واحد في المائة من أشباه المثقفين يستحق التضحية بغالبية نساء تونس في القرى والأرياف ليكن عاملات عندهن.

فالزراعة في تونس وفي مصر وفي غالب بلاد العرب مبنية على الأسرة، وعلى خضوع الابناء للآباء، وخاصة البنات في الأسرة التقليدية، ولهذا الخضوع علاقة مباشرة مع الملكية بقاء وخروجا في الأسرة.
لذلك، فغالبا ما يكون التزاوج داخليا لتجنب تفتتها، وهو ما يؤدي إلى ضرر في الإرث البايولوجي.

فحتى بالفرائض، يحتال الآباء والأخوة على الاخوات حتى يتخلين على سهمهن، فصارت من تقاليد الأرياف والقرى أنه من العيب أن تنافس الأخت اخاها فتطالب بحقها، وهي تفعل لأنها تريد أن يسمح لها بالزواج خارج الأسرة إذا أمكن لئلا تبقى عانسا في حالة عدم توفر إحدى الفرصتين الداخلية أو الخارجية.

أدعياء ثقافة يضحون بكل الشعب من أجل بضع “الدعيات” المطالبات بحق لا أساس له، لأن الوارث لا حق له في الموروث إلا بإرادة صاحبه سواء اختار النظام القرآني أو أي نظام، فالأمر كله بيده.
فحتى لو وضع قانون المساواة، فإن الآباء سيعمد غالبهم لما سيتبين أنه أكثر حرمانا للأخت وخاصة في الأرياف.

من يتجاهل هذه الحقائق الانثروبولوجية والثقافية المحددة لعلاقة المحافظة على الملكية، وخاصة لدى المزارعين وصغارهم بالأخص، بالتزاوج وأثره البايولوجي، من يتجاهل العلاقة بين الاقتصادي والثقافي والبايولوجي لا يعبر عن تقدمية، بل عن أمية لم أر لها مثيلا في أي نخبة تحترم شعبها.

وما أتوقعه إذا مر هذا القانون هو أحد أمرين:
1. أولهما شبيه بالوأد، وهو تعنيس الفتيات في الأرياف أو المزيد من الزواج الداخلي، وخطره يعلمه القاصي والداني
2. والثاني هو ازدياد ما نشهده الآن من اقتتال أسري حول توزيع الموروث مهما قل، وغالبا ما يأكل القضاء والمحامون البقية في هذه الخصومات.
وأخيرا، فأغلب المعلقين أميون:
• في القانون
• وفي الانثروبولوجيا
• وفي التاريخ
• وفي معرفة تقاليد شعبهم
وهمهم الوحيد التظاهر بالحداثة التي هم أجهل الناس بها، لأن أغلبهم لم يتجاوز تكوينهم الباكالوريا، ومن تجاوزها فهو توهم أن الحداثة الغربية هي ما ينبهر به البدوي عندما يزور إحدى مدن الغرب.
وينبغي أن نعترف لوسائل الاتصال الاجتماعي بفضل يشبه فضل الثورة في التعرية:
فهو مثلها فضح أدعياء الثقافة كما فضحت هي أدعياء الوطنية.
فكل الحزيبات، وخاصة تلك التي حرفت رؤية حشاد، والتي حرفت رؤية التحديث، والتي حرفت رؤية الإسلام، تبين أنها مجرد قيح الاستقلال المنقوص أو الحركيين.
لما أسمع “زعماء” الحزيبات التي وصفت يتكلمون عن قدرتهم السياسية في الحل والعقد، أود تذكيرهم أنه في البلاد الديموقراطية يوجد حد أدنى من التمثيلية. ولا حزب منهم يمثل 1 في المائة من الجسم الناخب.

كأفراد، يحق لهم قول ما يريدون، لكنهم لم ينالوا شرف تمثيل إرادة الشعب والكلام باسمه مؤسسيا.

السيادة، ما شروطها؟ وما علل فقدانها؟ – الفصل الخامس – أبو يعرب المرزوقي

5034770834
(630) 464-1874

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
السيادة
ما شروطها؟ وما علل فقدانها؟
الفصل الخامس

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 2018.08.31/1429.12.20

من يقرأ وصفي للنخب التي بيدها الحل والعقد في بلاد العرب، بالقياس إلى الشعوب لكنها لا تحل ولا تربط بالقياس إلى من نصبها ما يجعلها مجرد أدوات تنفيذ مافياوية لمافيات خارجية، سيتهمني بالمبالغة:
حسن.
هل يوجد حكام عرب عملاء المخابرات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية؟
وهل هم قلة؟
هل رأيت بين المستبدين بالجامعات العربية علماء مخلصين للعلم أم هم خدم النخبة السابقة التي نصبتها فيكونوا منصبي المنصبين؟
وهل رأيت منهم من له مواقف ذات صلة بحاجات الجماعة التي من المفروض أن تكون الجامعات مراكز بحث لعلاج قضيتي الرعاية والحماية بالعلم المبدع والمنتج؟
هل رأيت في نخبة القدرة -الاقتصادية والثقافية-من يمكن أن يعتبر فعلا نخبة ذات قدرة حقيقية؟
أم هم مجرد تجار يروجون لفضلات الجماعات المنتجة الأخرى التي يتعاملون معها والتي هم مجرد أدوات بين يديها؟
ففي تونس مثلا هم ممثلون للمصلحة الفرنسية خاصة والمثال حربهم على دخول تركيا لسوق تونس.
هل تجد في نخبة الفنون من يمثل حقا الذوق والتراث الفني الذي يعبر عن استقلال روحي للجماعة إذا ما استثنيت فلكلور الانحطاط الصوفي أو الذوق والتراث الإنساني الكوني، وإذا ما استثنيت فلكلور الانحطاط التخديري للفنون الهابطة التي تخلط بين دور الحب والجنس في الأدب ودور البورنو؟
وأخيرا هل يمكن أن نسمى ما ينتجه “علماء” الدين التقليديين و”علماء” الإنسان الحديثيين شيئا يعتد به ناتج عن دراية بمعنى الدين وبمعنى الفلسفة؟
أم إن النوعين لا يتجاوز كلاهم الحرب المتبادلة بينهم حول كاريكاتورين من الفكرين الديني والفلسفي وخاصة عند الدعاة الجدد تلاميذ جوجل؟
هذه هي الحال التي أردت أن أصفها بكلمة واحدة: انتحال الصفة في مستوى الكفاء التقنية والدجل في مستوى السلامة الخلقية.
واجتماع الصفتين هو ما يسميه ابن خلدون بـ”فساد معاني الإنسانية”.
لذلك فسأختم هذه المحاولة بنص ابن خلدون الذي شرح فيه هذا المعنى الذي هو داء راهننا الروحي والسياسي.
وسأكتفي بالتقديم له بملاحظتين:
1. المجال الذي شخص فيه ابن خلدون هذا المعنى الثوري هو مجال الانتخابين مجتمعين:
• الانتخاب التكويني او التربوي (التكوين الروحي)
• والانتخاب الاستعمالي الاقصى أو الحكم (الاستعمال الفعلي).
2. كل إصلاح ينبغي أن يبدأ بهما شرطين لاستئناف الأمة دورها.

وبذلك أكون قد بينت أن نسبة ابن خلدون إلى استراتيجية ثورة الشباب بجنسيه السياسية هي عينها نسبة الشابي إلى استراتيجية ثورتهم الروحية:
• الثاني برز دوره في شعارات الشباب بجنسيه في الاقليم كله
• والأول نسي دوره وقد حاولت التذكير به منذ حتى قبل الثورة ببيان أهمية المقدمة في اعادة البناء
نحيل على النص: “ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم:
1. سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل (نتيجة نفسية)
2. وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأدي بالقهر عليه (نتيجة خلقية انفعالية)
3. وعلمه “المكر والخديعة لذلك وصارت له عادة وخلقا (نتيجة خلقية فعلية في شكل رد فعل وآلية دفاع نفسي)
4. وفسدت معان الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله وصار عيالا على غيره في ذلك (نتيجة جامعة للنتائج الأربعة في كيان افراد الجماعة)
5. بل وكسلت
النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد أسفل السافلين (وهذا هو ما وصفنا في النخب التي تصبح من أرذل ما يوجد في الجماعة).
ثم يقيس ابن خلدون ذلك لينتقل من الانتخاب التربوي إلى الانتخاب السياسي في الجماعة والحكم.
ومعنى ذلك أن كلامه الإجمالي على الوجه الثاني يتضمن كل كلامه على المفصل على الوجه الأول بمعنى أن الحكم يقاس هنا على التربية والنتائج واحدة.
لذلك يقول “وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف (أي العلتان اللتان فسر بهما فساد معاني الإنسانية بسبب العنف في التربية)”.
“واعتبره في كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به. وتجد ذلك فيهم استقراء. وانظره في اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق السوء حتى إنهم يوصفون في كل أفق وعصر بالخرج ومعناه في الاصطلاح المشهور التخابث والكيد وسببه ما قلناه” (المقدمة الباب السادس الفصل 40).
فيكون الفساد في المربي المشرف على التكوين والانتخاب الإعدادي، وفي الحاكم المشرف على الاستعمال أعني على استعمال النخب التي تخرجت بمقتضى الانتخاب الأول.
ومن ثم فاجتماع الانتخابين ونتائجهما هو المشكل الذي يعالجه ابن خلدون وهو يحدد الاساس الثاني لعمارة الثورة: الاستراتيجية السياسية.
والفساد في الحقيقة هو في طريقة الانتخاب بالتكوين العنيف وبالاستعمال العنيف أي بتخريج من فسدت فيهم معاني الإنسانية في الانتخاب الاول وبتكليفهم بالمهام التي لا يمكن أن يقوم بها من فسدت فيه معاني الإنسانية لأنه سيكون دمية بيد من نصبه ومجرما على بقية الشعب وكلاهما في خدمة من نصبهما.
والاستراتيجية السياسية الخلدونية تعالج مسألة الانتخابين في التكوين وفي الاستعمال والاستراتيجية الروحية الشابية تعالج مسألة العلاقة بين التاريخ وما بعده أو مسألة القضاء والقدر في علاقة بأفعال العباد.
وبذلك فالشباب بوعي أو بغير وعي كان في ثورته متصديا لعلتي الانحطاط السياسي والروحي.
فتكون الثورة مخمسة الأبعاد ضد منتحلي صفة:
1. السياسي
2. والعالم
3. والاقتصادي
4. والثقافي
5. والفنان
6. وصاحب الرؤية الدينية والفلسفية.
وهي إذن ثورة ضد النخب التي فسدت فيها معاني الإنسانية وانتحلت صفات ليس لها منها إلا الأسماء: الامر كله متعلق بتجديد النخب وتحرير الأمة من كاريكاتور النخب الخمس.

وطبعا فما يترتب على ذلك أمر خطير جدا وعسير التحقيق:
كيف يمكن أن تحرر أمة من نخبها السائدة؟
بمن ستفعل ذلك؟
كيف تصلح انتخاب التكوين وانتخاب الاستعمال في عملية تداول الاجيال بمعياري:
• الكفاءة التقنية (التمكن من العمل الذي يعد إليه الإنسان)
• والكفاء الخلقية (القيام به دون انتحال وغش)؟
بعبارة وجيزة كيف نستطيع التغلب على تبعات فساد معاني الإنساني التي أشار إليها ابن خلدون:
1. النفسية
2. الخلقية الانفعالية
3. الخلقية الفعلية في شكل رد فعل
4. وفساد معاني الإنسانية الاجتماعية والمدنية في الحماية والرعاية والتحول إلى عالة
5. فقدان إرادة الفضائل والعودة أسفل سافلين
وهذه المعاني المفقودة في الفرد وفي الجماعة هي عينها الخسر الذي حددت سورة العصر المعاني التي تخلص منها في مستوى تربية الفرد وحكم الجماعة: فالوعي بفقدانها خسرا هو العلم الذي يقدمه ابن خلدون،
وشرطا تربية الفرد هما الإيمان الصادق والعمل الصالح
وشرطا حكم الجماعة بأفراد مثلهم هما التواصي بالحق في طلب الحقيقة والتواصي بالصبر في تحقيق الحق.
ومعنى ذلك أن الجماعة في هذه الحالة إذا استعادت ما فقدته نفسيا وخلقيا انفعاليا وفعليا ومعاني الانسانية تخرج من الرد أسفل سافلين فتصبح مستثناة من الخسر وتسترد معاني الإنسانية التي تجعلها أمة حرة سياسيا وروحيا.
فلا تكون الأمة حينها عالة في الرعاية ولا في الحماية فتمد يدها أو تحتمي بغيرها، بل هي تكون أمة ذات سيادة فعلية لأن نخبها تعبر عن إرادتها وعن علمها وعن قدرتها وعن حياتها وعن وجودها لوعيها بعلل الخسر وشروط الاستثناء منه بالانتخاب التكويني والانتخاب الاستعمالي لأفراد الجماعة السيدة.
أعلم أن كل هذا الاستدلال يبدو بلغة شعبية من جنس “أين اذنك”. لكن من لا يقتص مراحل تكون الظاهرة ليشخص عللها لا يمكنه أن يتكلم على علاجها.
صحيح أن القارئ يريد الحل ولا يهتم الطريق التي توصل إليه. لكني أفضل بحث الاطباء على دجل الدعاة: تشخيص الداء أول عمل مخلص للأمة.
فإذا جمع الشباب بجنسيه بين الاستراتيجية السياسية الخلدونية والاستراتيجية الروحية الشابية -وكلاهما من أبناء الامة ولا يعترف بالحدود التي وضعها المستعمر ليفتت الجغرافيا منعا للثروة المستقلة والتاريخ منعا للتراث غير التابع لصلتهما كليهما بما في المرجعية من لباب متحرر من القشور.

تلك هي شروط السيادة وتلك هي معوقاتها.
فمن أراد أن يخاطب الشباب بجنسيه خطابا يكمل حماستهم الشبابية ببعض حكمة الشيوع فليقرأ استراتيجية ابن خلدون السياسية واستراتيجية الشابي الروحية ليفهم أن الثورة ليست فزة بدوية، بل هي عود الوعي للأمة انطلاقا من روحها القرآنية.

السيادة، ما شروطها؟ وما علل فقدانها؟ – الفصل الرابع – أبو يعرب المرزوقي

5138916748
pale-eared

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
السيادة
ما شروطها؟ وما علل فقدانها؟
الفصل الرابع

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 2018.08.31/1429.12.20

وبهذه الطريقة يصبح الإصلاح ممكنا إمكانا يغني عن الحروب الأهلية التي لا يمكن أن توصل لوضع أفضل حتى لو تصورنا الغرب قد بدا وكأنه نجح:
فلا أعتقد تاريخ الغرب الحديث يمكن أن يعتبر مثالا أعلى يقتدى به.
فهو حرب عالمية دائمة منذ خمسة قرون على الإنسان والحيوان والنبات في العالم كله.
وإذا نظرنا إلى خارطة العالم اليوم لوجدنا أمرين أخطر من كل ما مر من هذا التاريخ:
1. نظام العالم الذي يرتسم حاليا له قطبيان متوحشان هما:
• مغول الشرق الأقصى (الصين)
• ومغول الغرب الأقصى (أمريكا)
ونحن والغرب القديم في كماشة بينهما بعد هزيمتنا، فأدركنا معنى ما فرطنا فيه من قيم دينية وفلسفية.
2. ثم نظام شروط الحياة السوية في العالم ارضه وفضائها، إذ كلاهما خاضعان للتلويث النسقي المادي والرمزي، أي إن الطبيعة والحضارة كلتاهما لوثتا بما يحول دون حياة سوية:
• ماديا (مصادر الحياة العضوية لوثت وأضرت بشرط البقاء في العالم)
• وروحيا (مصادر الحياة الروحية لوثت بثقافة الإعياء الوجودي)
فإذا جمعت الوضعيتين، فهمت أن نظام العالم بين المغولين ونظام الحياة بين التلويثين لن يبقى للإنسان معنى للحياة عدى الهروب من ذاته وشرط وجوده إلى النوع الجديد من الثقافة التي يظن أنها قد قربت بين البشر بما يسمى وسائل التواصل، لكنها في الحقيقة عوضت الجماعة الفعلية بجماعة افتراضية.
وينتج عن ذلك أن الجميع صار عبدا لبعدي العجل الذهبي:
فنظام قيام الإنسان المادي صار رهن النظام البنكي والمالي بحيث أصبح الإنسان فاقدا لشرط الحرية أو الملكية الخاصة، ونظام قيامه الروحي صار رهن النظام الإعلامي والملاهي التي تجعله دائم العيش خارج ذاته في استلاب دائم.
فيتبين أمران:
الأول أن النظامين الثيوقراطي والأنثروبوقراطي يبدوان متنافيين في الظاهر لكنهما يخضعان لنفس البنية العميقة في الباطن وهي بنية الحكم الأبيسيوقراطي أي دين العجل الذي يحكمه المال والايديولوجيا، أو رمز الفعل (العملة) وفعل الرمز (الكلمة) أداتين للاستعباد البدني والذهني.
• فالأولى تنتقل من دور أداة التبادل الاقتصادي إلى سلطان على المتبادلين بتوسط سلطان البنوك والمال
• والثانية تنتقل من دور أداة التواصل الثقافي إلى سلطان على المتواصلين بتوسط سلطان الإعلام والملاهي فيصبح الإنسان في الحالتين عبدا إما لمافية تسيطر باسم الدين أول مافية تسيطر باسم الدنيا.
ولنا مثالان قائمان في الإقليم وهما نسخة مصغرة من النظامين:
• إيران من الثيوقراطيا
• وإسرائيل من الانثروبوقرطيا
وكلاهما تحكمه مافية باسم الدين بداية وباسم الدنيا غاية، وذلك هو جوهر دين العجل، والعولمة تعتمد على ذلك أساسا فعولمة الاستعمار بدأت باسم الاول وانتهى باسم الثانية ومثاله أمريكا.
وواضح أنها خمستها تنبني على إفناء الشعوب والحضارات والحياة والنبات:
1. الاستعمار
2. والعولمة
3. وأمريكا
4. وإسرائيل
5. وإيران
وهذا من المنظور الفاعل.
والأمر كله اجتمع عندنا من المنظور المنفعل: فهم جميعا يسعون لإفنائنا وإفناء حضارتنا بجراثيم ينتجونها في جماعتنا بعد أن عجزوا عن جعلنا هنودا حمرا.
وأداتهم بسيطة جدا:
هي السيطرة على الانتخابين أو بصورة أدق السيطرة عليهما في انتخاب النخب الخمسة التي بيدها الحل والعقد في الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود، أي في السياسة وفي المعرفة وفي الاقتصاد والثقافة وفي الذوق وفي الرؤى. والعملية تشبه السيطرة على الجهاز العصبي المركزي.
وجهاز الجماعات العصبي المركزي مضاعف:
1. فالأول يتعلق بشرط الرعاية أو الاستعلام والإعلام العلميين العلمي
2. والثاني يتعلق بشرط الحماية أو الاستعلام والإعلام السياسيين.
• والاول يحقق شروط الانتاج مادة التبادل والتواصل فيعالج علاقة الإنسان بشروط بقائه المادي والروحي.
• والثاني يحقق شروط الوعي بالذات وبحال هذه الشروط التي من دونها يمتنع على الجماعة أن تتواصل بحق حول “حال الجماعة” من حيث ما لديها من شروط البقاء رعاية (سد الحاجات) وحماية (التحصن الداخلي والخارجي ضد علل فقدان السيادة).
وهذان الجهازان هما ما يستهدفه التخريب الحاصل.
فينتج ما يسمى في المنطق الخلط بين قوانين المنطق من حيث هو علم، وبين ما يشبهها في الظاهر ويسمى “نزعة نفسانية Psychologism” أو الوهم بأن العمليات المنطقية عملية نفسية تواردية من جنس الخواطر وليست خاضعة لقوانين موضوعية هي على الاقل “ما بين النفسيات” الشارط لتواصلها.

وبهذا المعنى تصبح كل النخب الخمس لا تميز بين أحوال نفسها وبين وظيفتها الحقيقة التي هي من جنس علاقة المنطق بالتوارد النفسي الغفل.
فصاحب الإرادة يخلط بين فرض إرادته على الجماعة وليس ممثلا لإرادة الجماعة التي يريدها عبيدا له في حين أنه مجرد خادم لها تختاره لينوبها في تقسيم العمل.
وصاحب العلم يخلط بين آرائه والمعرفة العلمية فيتوهم أن أضغاث أحلامه أو أيديولوجيته معرفة علمية وبدلا من أن يكون العلم حصيلة ما تتوصل إليه الجماعة العلمية خلال التواصل بينها -وليس بمنطق الجدل والصراع بل بمنطق التواصي بالحق والتواصي بالصبر-فتصبح المعرفة نزوات تضخم الذوات المريضة.
وصاحب القدرة المادية (الاقتصاد) والروحية (الثقافة العلمية والخلقية) يخلطان بين سلطانهما على قدرتهما وبين سلطانهما على من يحتاج إلى منتوجهما، فيتحول إلى تحكم في الحاجات، ومن ثم إلى استعباد وتوظيف لصاحبي العلم والإرادة ولصاحبي الحياة والرؤية المزيفين وبهم يتحكمان في الجماعة كلها.
ومن ثم فما قلناه عن صاحب الإرادة وصاحب العلم، نقوله عن صاحب الرؤية وصاحب الذوق، فهذان يصبحان مثل ذينك في خدمة مافية أصحاب القدرة الاقتصادية والثقافية أو قدرة معدن العجل وقدرة خوار العجل، وتلك هي سمات العولمة ودورهما في الحرب على الإسلام: الاستعمار والعولمة وأمريكا وإسرائيل وإيران.
وبذلك يسهل تحقيق التخريب النسقي لشروط السيادة في أي جماعة مستهدفة:
فأصحاب القدرة على سد الحاجات المادية والروحية (الاقتصاد والثقافة) يستعملونها للسيطرة على أصحاب الحاجات، أي الجماعة بتوسط بقية النخب وذلك هو سلطان بعدي العجل:
• معدن العجل الاقتصاد الربوي
• وخواره الثقافة التخديرية.
يسيطرون على المستوى الأول- ينصبون أصحاب إرادة زائفة وأصحاب رؤية زائفة- وهؤلاء ينصبون أصحاب معرفة زائفة وفن زائف، فتصبح كل النخب في خدمة المافية التي بيدها أداتي القدرة، وهم بدورهم منصبون من قبل مافية خارجية هي التي بيدها القدرة الفعلية للسيطرة على العالم.
لكن ما يتميز به الوضع في إقليمنا -العربي الكردي الأمازيغي وحتى التركي- هو أن نخبة القدرة ليست مستقلة عن نخبة الإرادة، بل هما في الغالب نفس النخبة بمعنى أن من بيده السلطان على الانتاج المادي والروحي وسيطا بين المافيات الدولية والمافيات المحلية هو من بيده جهازا الشوكة: الأمن والدفاع.
والامن -الحماية الداخلية مبدئيا-والدفاع -الحماية الخارجية مبدئيا-هما المسيطران على القوة القاهرة أو الشوكة التي تصبح عند غياب الشرعية عين التوحش الذي يتجلى في جهاز الاستعلام والاعلام السياسيين أو المخابرات والتي هي أداة المافيات الخارجية للسيطرة على الدولة والجماعة كلهما.
والمثالان الأوضحان في المشرق:
• الحرس الثوري في إيران
• والجيش المصري.
والاوضحان في المغرب:
• المخزن في ا لمغرب
• والجيش في الجزائر.
كل هؤلاء لا يمثلون حماية داخلية ولا خارجية.
• فداخليا هم أصل كل الاستبداد والفساد
• وخارجيا هم مجرد أدوات بيد المافيات التي تحفظ بقاءهم سائدين.
ولأن المافيات الخارجية تريد الاطمئنان إلى دوام الحال، فإنها لا تكتفي بذلك، بل هي تذهب إلى ما هو أبعد فتتدخل في الأحياز التي هي الكيان البدني للحجم الكافي حتى يكون الجهازان العصبيان المركزيان قادرين على تحقيق شروط الرعاية والحماية غير التابعتين بنيويا فتستطيعان الاستقلال الفعلي.
فالمافيات الخارجية تتكتل حتى يكون لها الحجم الكافي لتحقيق شروط الانتاجين المادي والروحي المحقق لشروط المناعة في مجالي الرعاية والحماية وتعملان عكس ذلك في مستعمراتها، فتفتت أحيازها وتحول دونها والتكتل لتكون فعليا عاجزة عن التنمية المادية والروحية حتى لو حصل صلاح النخب.
ومع ذلك فإذا ظهرت نخب صالحة وحاولت أن تفعل شيئا من أجل تحقيق شروط الحجم بالتكتلات بين الدويلات التي هي محميات حاليا، فإنهم يحدثون من الفتن من يحول دونها والنجاح كما يفعلون مع أي محاولة لتوحيد العرب مثلا أو للحفاظ على وحدة تركيا مثلا.
فكيف يفتتون الأحياز لمنع الحجم؟
يبدؤون بتفتيت الحيز المكاني:
الجغرافيا السياسية المبنية على العرقيات والقوميات والطائفيات تجعل بلاد العرب 22 محمية وكل محمية مهددة بالتفتيت إلى عدة محميات بحسب ما فيها من طوائف وأعراق.
فينتج عن ذلك استحالة التنمية المادية لأن الدخل الخام لأي منها لا يساوي جناح طائرة بل بعوضة.

وبذلك تمتنع مسألة الرعاية فيصبح الجميع متسولا:
إذن تفتيت الجغرافيا ينتج عنه التبعية في الرعاية المباشرة وفي أدوات تحقيقها غير المباشرة (البحث العلمي).
يتلو ذلك تفتيت التاريخ.
فلا بد لكل محمية من هذه المحميات من التأسيس على شرعية تاريخية.
فتجري حرب على التاريخ المشترك.
فيكون مآل التراث مآل الثروة.
ويتبع الفقر الروحي الفقر المادي.
فلا يمكن لقبيلة أن تصبح دولة تنتج ما يسد حاجتها المادية والعلم الضروري لذلك أو أمة تنتج ما يسد حاجتها الروحية والعمل الضروري.
تلك هي العملية العميقة التي تسند ما تقدم من تنصيب حثالة النخب. ويبقى الأمر الأساسي.

الامر الأساسي هو الحرب على المرجعية الروحية والحضارية المشتركة بين هذا الفتات الذي أنجزوه بواسطة حثالة النخب التي تدعي تمثيل الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود.
وهذه الحرب هي ما نعيشه الآن: الحرب على الإسلام من الحثالة المسيطرة على هذه المجالات كلها.

307-386-1819

2294496775
10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
السيادة
ما شروطها؟ وما علل فقدانها؟
الفصل الثالث

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 2018.08.30/1429.12.19

اسقاط المنطق على الوجود في أي مرحلة من مراحل رؤى الوجود، تعني رد الثاني إلى الأول.
ويمكن لهذا الرد أن يكون من جنس رد المنزل الذي نريد بنائه إلى الرسم المعماري الذي وضعناه ليكون دليلنا في بنائه:
فيكون العمل متعلقا بمرحلتي “خلق” شيء:
• أولاهما على الورق
• والثانية في الوجود الخارجي.

تصور المنطق من جنس الرسم المعماري للوجود، فيه قلب للعلاقة.
ذلك الوجود ليس هو ما سنصل إليه به بل ما نعتبره علما للوجود متصورين عمله مطابقا له.
وهو وهم سماه ابن خلدون وهم رد الوجود إلى الإدراك. ويمكن نسبة ذلك إلى بارمينيدس الذي اعتبر الوجود مطابقا للنوس واستثنى ما عداه بوصفه عدما.
فاعتبر ذلك بداية الفلسفة أو بداية القطيعة بين اللوغوس والميتوس، أو القطع بين أسلوبي إدراك الوجود الحقيقي والوهمي، وبداية المقابلة بين العقلي وللاعقلي.
وكل محاولات النظر في طور وراء العقل كان يعتبر إما من التصوف أو من الفنون الأدبية وغايتهما أشبه بما يسمى عند الانبياء بالوحي.
والمطابقة التامة التي تقتضي المقابلة بين العقلي واللاعقلي لم يتم تجاوزها إلا في الفكر الديني ومحاولات فشله في التوفيق بين ما يسمى بالعقلي والنقلي إلى أن وضع هيجل فكرة القضية التأملية التي اعتمدها للانتقال من المنطق ذي القيمتين(أرسطو) إلى المنطق ذي القيم الثلاث (هيجل) كما بدا له.
لكني بينت أن المنطق الارسطي هو بدوره مثلث القيمة، لأن الحدين في القياس يتطلبان حدا أوسطا يجمع بين الحدين الأكبر والأصغر في كل قياساته وإلا استحال الوصل بينهما.
والحد الأوسط هو التقاطع بين الحدين ولا يختلف في شيء عن التأليف الهيجلي رغم أن هذا يبدو تاليا للحدين وليس وسطا بينهما.
ما أضافه هيجل الذهاب بالحدين إلى الأقصى فصار الاول هو الوجود والثاني هو العدم والتوليف بينهما، هو الصيرورة التي هي حد في الحقيقة. والذهاب إلى الغايتين الأقصيين في الحدين اعتبرها شرط تفسير الحركة في المفهوم من حيث موضوعا حاملا متحركا يتجلى في محمولاته وهو معنى القضية التأملية.
واضح أن الفرق بين أرسطو وهيجل هو:
• الذهاب بالحدين الاكبر والاصغر إلى الاقصى ليصبحا متناقضين وجوديا وليس كميا فحسب.
• اعتبار الحد الأوسط غاية وليس وسيطا يتألف من الوجود والعدم ليس بإطلاق بين مما يتجاوز به أحدهما، ويكون الثاني متجاوزا به فيكون موجودا في الأول ومعدوما في الثاني.
وهو ما يعني أن المعدوم في الثاني والموجود في الاول يرد إلى الفرق الكمي بين ما صدق المفهومين أي ما به يختلف الحد الأكبر عن الحد الأصغر، وما هو متحقق في الحد الأوسط الذي يصل الحدين فيمكن من الوصل بينهما باعتبار تقاطعهما عند ارسطو وتوليفهما عند هيجل.
والرؤيتان شرطهما القول بالمطابقة.
وبمجرد نفي القول بالمطابقة، لم يبق الامر منحصرا في حدين ولا يكفي حد أوسط للوصل بين ما يتجاوز الحدين، بل لا بد من البحث في منظومة وبنية أوسع شرطها حضور كل عوامل التأثير في العلاقة بين الحدود التي هي متكثرة والتي حصرها النسبي هو أولى مسائل كل معرفة إنسانية.
وهذا الحصر متناسب مع المرحلة التي وصل إليها إدراك الإنسان، للتشابك بين الأحداث التي تتجلى له من موضوع بحثه:
وهي نسب كمية أو كيفية بين العناصر التي لها دور مؤثر فيما يتجلى من الموضوع الذي هو مادة البحث في حدود ما يصل إليها الإنسان بوسائل إدراكه وهو متطور بتطورها.
سننطلق من المائدة 48: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أساسا لمنطق متعال على القول بالمطابقة.
ها نحن أمام بنية شديدة التعقيد:
علاقة عمل بنظر أو علاقة شريعة بعقيدة.
• وهنا نحن أمام تطبيق شريعة بمقتضى هذه العقيدة.
• وها نحن أمام تعدد الشرائع.
• وها نحن أمام تعدد العقائد.
• وها نحن أمام أمر بالحكم بالحق مع العلم بتعدد الشرائع والعقائد.
• وها نحن أمام نهي على إرادة التوحيد العنيف بينها.
• وها نحن أمام تعليل للتعدد وبيان أنه مقصود
• وها نحن أخيرا أمام بيان علة التعدد المقصودة
• وأخيرا ها نحن أمام بيت القصيد:
1. غاية التعدد التسابق في الخيرات بين البشر
2. الاجتهاد في الحكم بما أنزل الله الذي عرف بكونه ثمرة النقد الإيجابي دون إطلاق: اجتهاد بالضرورة أساسه التصديق والهيمنة.
وهذا هو المنطق المعرفي الذي لا يقول بالمطابقة، لأن الحكم النهائي متروك للغيب يوم يتم الفصل بين الشرائع والعقائد المتعددة، ولا يقول من ثم بالإطلاق ويأخذ الاجتهادات السابقة في الاعتبار بمنطق نقدي يصدق ما يصدق ويهمين عليه بما يتجاوزه خلال تقدم المعرفة: فيكون اجتهاد القاضي هو المعيار.
واجتهاد القاضي فيه
1. النازلة
2. والشهادة
3. والنص المرجعي
4. وتحقيق المناط لتنزل الحكم
5. الحكم باعتماد هذه العناصر.
والحكم الذي يقوم بذلك مشروط بأمرين خلقيين
1. العدل
2. الأمانة وبأمرين تقنيين أو معرفيين:
• معرفة النصوص المرجعية
• معرفة تحقيق المناط للوصف القانوني الأدق الممكن.

لو قبلنا بالمنطق الهيجلي، لكان يكفينا موقف المتنازعين المتنافيين ولاعتبرنا الحل في التوليف بين الموقفين وننسى دور القاضي والمرجعية النصية والأحداث المتعلقة النزاع وتحقيق المناط المتعلق بالوصف القانوني للمعطيات الوجودية التي يتعلق بها النزاع، ولاستحال فهم أي حكم قضائي أو علمي.
فكل هذه العوامل تكوّن شبكة من العلاقات هي البنية المحددة للحكم والمحددة، خاصة لما يعتريه دائما من عدم مطابقة تحول دون القطع والبقاء اجتهادا بحسب المتوفر من شروط الإدراك الذي هو دائما دون الإحاطة بالموجود في أي نازلة مهما كانت بسيطة، ناهيك عن الحكم في محددات ظاهرات الطبيعة والتاريخ.
ولا يستقيم ذلك من دون أن نميز بين ما في العلم وما في الوجود لاستحالة الإحاطة المشروطة في رد الوجود إلى الإدراك.
فكلما تطورت وسائل الإدراك كلما تعقدت العلاقات التي كانت خفية في المراحل السابقة من علمنا، وبدأت تتجلى لنا بالقدر الذي يسمح به تطور إدراكنا وتعين الفواعل الخفية.
وأقصى ما يمكن نسبته إلى المنطق، هو مناهج تنظيم العمل الإدراكي ومراحله، وهي تنقسم إلى نوعين يشبهان المنطق الصوري والمنطق المطبق.
• فالأول هو منطق التقدير الذهني، وهو إبداع في مستوى الأنظمة الرمزية
• والثاني هو منطق التحقيق التجريبي، وهو إبداع ما يناظرها من عناصر مؤثرة في موضوع البحث
فيكون المنطق بهذا المعنى أداة من أدوات تيسير الإدراك أو نقل “ما اعتبرناه صوار مؤقت” من المقدمات إلى النتائج والعكس أي نقل “ما اعتبرناه خطأ مؤقت” من النتائج إلى المقدمات بعملية مراجعة دائمة للنسق الرمزي الذي يعبر عما أدركناه بأدوات إدراكنا من الموضوع الذي يبقى مليئا بالأسرار.
ومن دون هذه الرؤية للعلاقة بين المنطق والوجود، يمتنع أن تتكون الجماعات البشرية أولا وأن تكون مقوماتها هي النخب التي تمثل أعضاء كيانها بنفس المنطق، أعني ليس بمنطق الصراع الجدلي في أي منها الإرادية والعلمية والقدرية والحيوية والرؤيوية وإلا فلن تتكون السمفونية بل النشاز المطلق.

وهذا المنطق سماه القرآن بصيغ المشاركة: التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
ومعنى ذلك، أن الجماعة لا يمكن أن تتعايش بالصدام الجدلي، ولا يمكن للنخب فيها أن تتعايش به بل لا بد من التواصي بالحق في طلب النظر (الكفاءة التقنية) والتواصي بالصبر في طلب العمل (السلامة الخلقية).
وهذا يقتضي أن يكون الفرد متصفا بصفتين، من دونهما يمتنع أن تتكون نخب وجماعات بالصفات التي ذكرت:
فلابد أن يصدق إيمانه ويصلح عمله.
وبذلك يتبين أن معايير التكوين والاستعمال قد تحددت للفرد وللجماعة في سورة الاستثناء من الخسر (العصر)، وهو ما يعني أن معيار المعايير هو الوعي بشروطه.
والوعي بشروطه، هو عين الحاجة للجمع بين الدين والسياسة رمزا لمحدد الغايات (الدين) ولمحدد الأدوات (السياسة)، والسياسة تتعلق بمعياري الانتخاب التأهيلي كفاءة والتأهيلي اخلاقا في مستوى الفرد، وفي مستوى الجماعة، ولذلك فسورة العصر تحتوي على كيفية اكتشاف الانتحال والفساد في النخب.

7196219411

5853212794
10887995_1525505701060696_441681945_n

لتصفح المقال في كتيب أو لتحميل وثيقة و-ن-م إضغط على الروابط أسفله
السيادة
ما شروطها؟ وما علل فقدانها؟
الفصل الثاني

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 2018.08.29/1429.12.18

والبحث عن العلل يقتضي أن نتكلم على النقلة الأخيرة، وهي النقلة التي هي أصل النقل السابقة في فرضية العمل التي انطلقت منها والتي تقتضي أن تكون الجماعة وكأنها جسد واحد يعمل بنظام من الوظائف المتضامنة وكأنها آلات موسيقية في سنفونية متناغمة بنظام رياضي دقيق مشدود إلى القيم الخمس.
1. ففيها تعمل نخبة الإرادة مثل رئيس الجوقة والمشرف على التحقيق الفعلي
2. ونخبة الرؤية مثل مؤلف السنفونية
3. وتعمل نخبة العلم مثل صناع الآلات ومجربيها
4. ونخبة الذوق مثل مهذبي الأذن ومعوديها على إدراك الجمال
5. وتكون نخبة القدرة منتجة لشروط التموينين للجميع: سد الحاجة الروحية والمادية.
وهذا النظام الذي يجعل الجماعة أشبه بالفرقة الموسيقية التي تنجز سنفونية، شبهها الرسول بالبدن الذي يتداعى لأي عضو فيه سائر الأعضاء الباقية لشكواه.
وما كانت اعضاء البدن الواحد تتداعى لشكوى أحدها لو لم تكن تعمل بتناغم في السراء والضراء.
وهذا يعني النظام الذاتي في الجماعة: الدولة.
وهذه النقلة الخامسة والأخيرة في فرضية العمل التي انطلقنا منها.
فالنخب الخمس بالصفات التي ذكرنا هي التي تملأ خانات مجردة تمثل بالقياس إلى استعارة البدن ما يحدده علم التشريح للكائن الحي من الاجهزة التي يتقوم بها البدن مثل جهاز التنفس وجهاز الدورة الدموية وجهاز الاغتذاء إلخ…
وهذه الاجهزة خانات خاوية في الدولة كذات اعتبارية مؤلفة من مؤسسات وقوانين تحدد وظائفها وطرق عملها وحدودها ولا تتحول إلى ذات طبيعية إلا لما تملأ هذه الخانات من تختارهم الجماعة ليؤدوا وظائف هذه المؤسسات بوصفهم نوابا على الجماعة لمدة معينة تحت مراقبتها بمقتضى حصيلة الانتخابين.
والقصد حصيلة الانتخابين هو:
لا يمكن أن تنتخب جماعة من يتولى هذا الدور السياسي والخدماتي إلا من نجح في الانتخابين اللذين تكلمت عليهما في الفصل الاول بكفاءة فنية وسلامة خلقية عالية خلال مرحلة الإعداد التروبوي ومرحلة الاستعمال في تقسيم العمل الذي يسد الحاجتين المادية والرمزية.
فلا يمكن أن تعتبر السياسة حرفة، بل هي استفادة من تكوينين:
• مرحلة التكوين التحصيلي
• ومرحلة الاختبار الفعلي في الحياة العامة بوصف الخريج من الاختبار الأول أهلا لإحدى الوظائف في تقسيم العمل وأثبت فيه كفاءة عالية ومستوى خلقي رفيع.
ومعنى ذلك أن الترشح للعمل السياسي مشروط بالنجاح فيهما.
والذين لهم هذه الاهلية قلة، وهم من سماهم الغزالي “معتبري الزمان” بمعنى هم من تعترف بهم الجماعة بجدارة تمثيل إرادتها وعلمها وقدرتها وحياتها ووجودها بمعيار الكفاءة الفنية في مجالاتهم والسلامة الخلقية في قيامهم عليها خلال انتقالهم من تعلمه إلى العمل الفعلي بما حصله من صفات تؤهله له.
وهذا المعيار يقدمه ابن تيمية على كل ما يمكن أن يكون مجرد برقع مخادع كمن يقدم معيار التدين عند اختيار قائد الجيش وليس كفاءة القيادة العسكرية.

وبهذا المعنى فابن تيمية الذي يظنه الكثير لا يتردد في تقديم التدين على الكفاءة في القيادة العسكرية، يعتبر ذلك شرط تمثيل الجماعة الامين.
ولعل آخر التجارب التي تؤكد هذا المعنى التيمي ما حصل للإخوان في مصر:
اختاروا حمارا لقيادة الجيش، أو لنقل وافقوا عليه إن لم يكونوا هم من اختاره لأنه خدعهم وأوهمهم بأنه تقي فلم ينظروا في أهليته كفاءة تقنية وجدارة خلقية، فكانت نكبتهم منه ومن الجيش ككل بسبب فساد نظام الانتخابين.
• فنظام الانتخاب في مرحلة التعلم
• ونظام الانتخاب في مرحلة الاستعمال
كلتاهما خاضعة للوساطة ولا اعتبار فيهما للكفاءة التقنية والسلامة الخلقية، فأصبح الجيش وكل وظائف الدولة لا يمثل نخبا حقيقية، بل هي جماعات مصلحية مباشرة لأصحابها لاستغلال الدولة والجماعة وليست في خدمتهما.
ومن يجعل السياسة حرفة، يجعلها مثل التي لدى العرب مجرد تعلم خدعتين:
• الكذب في الأقوال
• والغش في الافعال.
ولذلك فهي لا تتألف إلى من المافيات وخدمها.
فلا أحد يشترط فيها الكفاءة التقنية، وحتى إذا وجدت فهي تكون للتنفيذ وليس للقرار الذي يبقى بيد المافيات وخدمهم ناهيك عن السلامة الخلقية.

وسأخصص الكلام في هذا الفصل إلى الانتخابين وعلة اشتراط النجاح فيهما نجاحا فعلية بشرطي التميز في الكفاءة التقنية والسلامية الخلقية في جماعة تدرك أن ذلك هو شرط مناعتها المادية والروحية رعاية وحماية وفهما حقيقيا لمعنى النخبة أي ما تم انتخابه تقنيا وخلقيا في المرحلتين.
فالإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود في الفرد صفات وجودية ونفسية لكائن طبيعي تغلب عليه واحدة منها ولا يخلو من الأربع الباقية، لكن الجماعة ينبغي أن يكون كيانها الذي هو تاريخي يتطبعن بطول التاريخ (التزاوج يؤدي إلى التقارب في الصفات العضوية) مؤلفا من الأبرز في هذه المقومات جميعا.
الجماعة كيان مخمس الرؤوس:
1. نخبة الإرادة
2. ونخبة الرؤية
3. ثم نخبة العلم
4. ونخبة الفن
5. ثم نخبة الإرادة.
ومعنى ذلك أنها بخلاف الفرد لا يغلب عليه أحد المقومات الخمسة، بل لابد أن تعمل بها جميعا أي بنخبة الإرادة والعلم والقدرة والحياة والوجود حتى تكون سوية، وإلا فتوازنها يختل فلا تكون سمفونية.
فنخبة الإرادة تتألف من الافراد الذي يتميزون بغلبة الإرادة عندهم على بقية المقومات الأربعة، وكذلك في بقية النخب كل منهما يجمع من تغلب عليه الصفة التي وصفنا بها النخبة:
العلماء والمنتجون للاقتصاد والثقافة والفنانون والرياضيون ورجال الدين والفلاسفة.
لكن الجماعة لا بد لها من ذلك كله.
• فإذا أراد السياسي أن يلغي العالم فيزعم أنه عالم
• والعالم أنه اقتصادي
• والاقتصادي أنه فنان
• والفنان أنه رجل دين أو فيلسوف
انخرمت السنفونية في استعارتنا والبدن في استعارة الرسول.
ولا يفعل ذلك إلا من لم يكن بحق سياسيا ولا عالما ولا اقتصاديا ولا فنا ولا رجل دين ولا فيلسوف.

وهنا نصل إلى بيت القصيد:
انتحال الصفة تقنيا والنفاق خلقيا.
وهذا الداء المضاعف الناتج عن فساد الانتخابين هو داء الامة الحالي: فالسياسي والعالم والاقتصادي والفنان وصاحب الرؤى كلهم أو غالبهم الساحق، منتحلو صفة ومنافقون لأن الجماعة لا تؤدي دورها في الانتخاب وهو الفساد البنيوي.
وهذا هو القصد مما ينسب إلى الرسول: “كيفما تكونون يولى عليكم”.
فساد الانتخابين هو “كيف تكونون” والنتيجة هي “يولى عليكم” في السياسة وفي المعرفة وفي الانتاج المادي والرمزي وفي الفنون وفي الرؤى.
رؤوس الجماعة أم “معتبرو الزمان” بلغة الغزالي يصبحون أرذل ما يوجد فيها.
لكن هذه المقابلة الحدية قد تجعل القارئ يتصورني من القائلين بالمنطق الجدلي بمعنى أن ما يجري هو الصراع بين النقيضين الذي ترجمه بعض الإسلاميين بخرافة التدافع.
والمعلوم أن القرآن الكريم لا يتكلم على التدافع بل عن دفع الله الناس بعضهم ببعض فلا يتدافعون بل يدفعون بما يتعالى عليهم.

ولذلك سأعود في فصل لاحق لاستكمال دحض المنطق الجدلي وبيان المنطق الذي يعتمد على التسابق في الخيرات بدلا من التنافس الصدامي كما حددت ذلك الآية 48 من المائدة عند الكلام على التعدد الديني بوصفه شرطه القصدي ومن هنا اشتراط الاسلام الوحدة الغائية وتعدد المسيرة الروحية للإنسانية.
فالقول بوحدة الحياة الروحية بداية (الإسلام الفطري) وغاية (الإسلام المحمدي)، لم يلغ ضرورة التعدد والإرجاء في الحكم النهائي حتى يتحقق شرط تبين الرشد من الغي أساسا لحرية المعتقد أو الوصول بالاجتهاد الذاتي للخيار العقدي الذي يبدأ بالكفر بالطاغوت لينتهي إلى الإيمان بالله وحده.

كل ما حل بعلوم الملة من تحريفات علته عدم اخذ هذه المعاني في الحسبان، وهو ما فرض بيان علته التي أرجعتها إلى اهمال أمر فصلت 53 ونهي آل عمران 7 وتأسيس علوم الملة على نفي المبدأ الأساسي في القرآن وهو استحالة الإحاطة على علم الإنسان ومن ثم تقديم المعرفة الاجتهادية على القطعية.
فالغيبيات ليست معلومة فضلا عن أن تكون قطيعة، والشاهديات معلومة دون إحاطة لما يكتنفها من الغيب، ومن ثم فكل معرفة إنسانية فيها اجتهادية ولا إمكان لمعرفة الغيب أو قيسه على الشاهد.
اخبرنا بوجوده وكلنا يكتسبه بذاته، فنسبة المعلوم إلى المجهول من الوجود هي نسبة المتناهي إلى اللامتناهي.

وبهذا فقد اكتشفنا سر انتحال الصفة الأساسي في المقومات الخمسة:
فمن يتوهم إرادته أو علمه أو قدرته أو حياته أو وجوده مطلقا، فهم منتحل صفة:
• إما بوعي وهو الدجال
• أو بغير وعي وهو الغافل.
وإذن فالانتخاب بالمعيارين في مرحلة التكوين وفي مرحلة الاستعمال للمكون هو جوهر سلطان الجماعة ومسؤوليتها.